فصل: وفي اجْتِمَاعِ سَلَفٍ وَقَرْضِ *** يُشْتَرَطُ الحُلُولُ في ذَا الْقَبْضِ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البهجة في شرح التحفة ***


وَفي طَعَامٍ إنْ يَكُنْ من قَرْضِ *** يَجُوزُ الابْتِيَاعُ قَبْلَ القَبْضِ

‏(‏وفي طعام إن يكن من قرض‏)‏ يتعلق بقوله‏:‏ ‏(‏يجوز الابتياع قبل القبض‏)‏ وهذا مفهوم قوله فيما مر‏:‏

والبيع للطعام قبل القبض *** ممتنع ما لم يكن من قرض

 فلو استغنى عن هذا بمفهوم ما تقدم لكفاه، وفي معنى القرض كل طعام وجب بغير عوض كطعام الهبة والصدقة كما مرّ‏.‏

وَالاِقْتِضَاءُ لِلدِّيُونِ مُخْتَلِفْ *** وَالْحُكْمُ قَبْلَ أَجَلٍ لا يَخْتَلِفْ

‏(‏والاقتضاء للديون مختلف‏)‏ حكمه فمنه ما هو جائز بالجنس وبغيره ومنه ما هو ممنوع كذلك وحاصل الصور العقلية في القضاء بالجنس الذي الكلام الآن فيه أربع وعشرون صورة لأن الدين إما عين أو عرض، وفي كل منهما إما من بيع أو قرض وكل من الأربعة إما حال أو مؤجل، فهذه ثمانية مضروبة في أحوال القضاء لأنه إما بمثل الدين قدراً أو صفة وإما بأقل قدراً أو صفة وإما بأكثر قدراً أو صفة ثلاثة في ثمانية بأربعة وعشرين فصور المثل الثمانية جائزة كلها كما قال‏:‏ ‏(‏والحكم قبل أجل لا يختلف‏)‏ في الجواز والحالة هذه‏.‏

وَالمِثْلُ مَطْلُوبٌ وذُو اعْتِبارِ *** في الجَنْسِ وَالصِّفَةِ وَفِي المِقْدَارِ

‏(‏و‏)‏ هي أن ‏(‏المثل مطلوب‏)‏ أي موجود ‏(‏وذو اعتبار‏)‏ عطف تفسير لو حذفه ما ضره ‏(‏ في الجنس والصفة والمقدار‏)‏ فالجملة حال مربوطة بالواو كما قررنا ومفهوم قبل الأجل أن القضاء بالمثل بعد الأجل يجوز بالأحرى، فشمل كلامه الصور الثمانية الجائزة‏:‏ أربعة منها بمنطوقه وأربعة منها بمفهومه ويشملها قول ‏(‏خ‏)‏ وقضاء قرض بمساوٍ ثم قال‏:‏ وثمن المبيع من العين كذلك ومفهوم قوله‏:‏ والمثل مطلوب الخ‏.‏ أن المثل إذا لم يوجد بل قضاه بأقل قدراً أو صفة أو بأكثر فيهما لم يجز وهو كذلك على تفصيل وهو أن يقال‏:‏ فإن كان القضاء بأقل قدراً أو صفة جاز صور حلول الأجل الأربع وهي عين أو عرض من بيع أو قرض ومنعت صور ما قبل الأجل كذلك لما فيه من ضع وتعجل لأن المعجل مسلف وقد انتفع على سلفه بأدائه أقل أو أردأ، فهذه ثمانية في القضاء بأقل قدراً أو صفة كما ترى ويشملها أيضاً قول ‏(‏خ‏)‏ وإن حل الأجل بأقل صفة أو قدراً فمفهوم الشرط أنه لا يجوز ذلك قبل الحلول، وأما إن كان القضاء بأكثر صفة أو قدراً فيمتنع في الأكثر قدراً في القرض مطلقاً عيناً كان أو عرضاً قبل الأجل أو بعده لقول ‏(‏خ‏)‏ لا أزيد عدداً أو وزناً، وكذا يمتنع في العرض من بيع قبل الأجل لما فيه من حط الضمان وأزيدك‏:‏ وجاز فيه ذلك بعد الأجل كما يجوز في العين من بيع مطلقاً قبل الأجل أو بعده لأن الحق في الأجل في العين لمن هو عليه فلا يدخله حط الضمان وأزيدك‏:‏ وإن كان بأفضل صفة جاز في القرض مطلقاً وفي البيع بعد الأجل، وكذا قبله وهو عين وإلاَّ منع لما فيه من حط الضمان وأزيدك‏.‏ والناظم تكلم بمنطوقه ومفهومه على الصور الجائزة الثمانية كما مر وسكت عما عداها في القضاء بالجنس‏.‏

وأما القضاء بغير الجنس وهو بيع الدين ممن هو عليه فقد أشار له بقوله‏:‏

وَالعَيْنُ فيهِ مَعْ بُلُوغٍ أَجَلا *** صَرْفٌ وَمَا تَشَاؤُهُ إنْ عُجِّلاَ

‏(‏والعين فيه‏)‏ الضمير للعين، وفي بمعنى ‏(‏عن‏)‏ أي وقضاء العين عن العين ‏(‏مع بلوغ أجلا‏)‏ أي مع حلول أجل الدين كقضاء ذهب عن فضة حل أجلها كانت من بيع أو قرض وبالعكس ‏(‏صرف‏)‏ جائز إن عجل المأخوذ ولم يقع فيه تأخير فقوله‏:‏ بعد أن عجل محذوف من هنا لدلالة ما بعده عليه، وهذا هو المعبر عنه في الاصطلاح بصرف ما في الذمة وهو جائز على المشهور خلافاً لأشهب في منعه ‏(‏وما‏)‏ مبتدأ والخبر محذوف أو مفعول بفعل محذوف والتقدير ولك أخذ ما ‏(‏تشاؤه‏)‏ أي وخذ ما تشاؤه عن دين العين من عرض أو طعام أو حيوان أو عقار ‏(‏إن عجلا‏)‏ ذلك المأخوذ والا امتنع لما يلزم عليه من فسخ الدين في الدين إن كان المأخوذ غير معين، وإن كان معيناً فهو التصيير وفي تأخير حوزه وقبضه خلاف يأتي في فصله إن شاء الله‏.‏

وغيرُ عينٍ بَعْدَهُ مِنْ سَلَفِ *** خُذْ فيهِ مِنْ مُعَجَّل ما تَصْطَفِي

‏(‏وغير عين‏)‏ مبتدأ على حذف مضاف والجملة الطلبية بعده خبره على وجه مرجوح أي ودين غير العين ‏(‏بعده‏)‏ أي بعد الأجل حال كونه ‏(‏من سلف خذ فيه من معجل‏)‏ من غير جنسه ‏(‏ما تصطفي‏)‏ وتختار من طعام أو عرض أو عقار أو حيوان كأخذك حيواناً عن ثوب في الذمة أو أخذك دراهم عن حيوان في الذمة، وهكذا بشرط التعجيل كما في النظم وإلا امتنع لما فيه من فسخ الدين أو التصيير الغير المقبوض بالفور كما تقدم في الذي قبله، وكلامه في القضاء بغير الجنس كما هو الموضوع، وأما قضاؤه بالجنس الموافق فقد تقدم في الأربع والعشرين صورة‏.‏ ومفهوم قوله‏:‏ وغير عين الخ‏.‏ تقدم في البيت قبله، ومفهوم بعده أنه قبل الأجل لا يجوز وليس كذلك لأنه إذا اختلف الجنس كما هو الموضوع فلا عليك في الأجل والمقدار كما في شراح ‏(‏خ‏)‏ عند قوله‏:‏ وبغير الجنس إن جاز بيعه قبل قبضه الخ‏.‏ وحينئذ فلا مفهوم للظرف المذكور، ومفهوم قوله‏:‏ من سلف هو ما أشار له بقوله‏:‏

وَإنْ يكنْ مِنْ سَلَمٍ بَعْدَ الأَمَدْ *** فالوَصْفُ فيهِ السَّمْحُ جائزٌ فَقَدْ

‏(‏وإن يكن‏)‏ الذي هو غير العين ترتب في الذمة ‏(‏من سلم‏)‏ أي بيع ‏(‏بعد الأمد‏)‏ أي الأجل يتعلق بقوله جائز ‏(‏فالوصف‏)‏ مبتدأ ‏(‏فيه‏)‏ يتعلق بقوله جائز أيضاً ‏(‏السمح‏)‏ مبتدأ ثان ‏(‏جائز‏)‏ خبره ‏(‏فقد‏)‏ أي فحسب راجع لقوله‏:‏ بعد الأمد، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر الأول، والجملة من الأول وخبره جواب الشرط، والتقدير؛ وإن يكن الدين الغير العين ترتب في الذمة من بيع فالسمح في وصفه جائز بعد الأجل فقط بأن يأخذ رب الدين أقل من صفة دينه أو يدفع المدين أجود منه، ويفهم منه أنه يجوز بأقل قدراً أو أكثر كذلك أيضاً لأن زيادة الوصف في قضاء دين البيع كزيادة القدر ونقصانه كنقصانه كما قال ‏(‏خ‏)‏ وجاز بأكثر وليس قوله‏:‏ ‏(‏فقد‏)‏ راجعاً للوصف حتى يكون المعنى فالسمح جائز في الوصف فقط لا في القدر، بل هو راجع لقوله‏:‏ بعد الأمد كما قررنا‏.‏ ومفهوم بعد الأمد أنه قبل الأمد لا يجوز وهو كذلك لما فيه من حط الضمان، وأزيدك أو ضع وتعجل قال في النوادر‏:‏ وإذا حل الدين وليس بذهب ولا فضة جاز أخذك أرفع أو أدنى أو أقل أو أكثر من صنفه أو من غير صنفه نقداً‏.‏ وقال في المجموعة‏:‏ ولو عجل عرضاً قبل أجله لم يجز إلا مع المساواة والانفراد فلو كان أجود أو أردأ وأضيف إليه شيء من أحد الجانبين ولو نفعاً بخطوة أو كلمة لم يجز لأنه منك وضيعة على تعجيل حق، ومنه طرح ضمان بزيادة‏.‏ ثم إن كلام الناظم ظاهر في القضاء بالجنس فهو داخل في التحصيل المتقدم في القضاء بالجنس، وقد علمت أن الكلام في غيره، فلو قدم هذا البيت قبل قوله‏:‏ والعين فيه الخ‏.‏ وقال مثلاً‏:‏

وإن يكن بأدنى منه يشترط *** حلوله وقبله المنع فقط

ويكون أشار به للصور الثمانية الكائنة في القضاء بأقل قدراً أو صفة كما مر ثم يقول ههنا‏:‏

وإن يكن من سلم فيشترط *** بيعه بالمسلم فيه مرتبط

وإن يصح سلم رأس المال *** والبيع قبل القبض في ذي الحال

لوفى بشروط قضاء السلم بغير جنسه المشار إليها بقول ‏(‏خ‏)‏ وبغير جنسه إن جاز بيعه قبل قبضه وبيعه بالمسلم فيه مناجزة، وإن يسلم فيه رأس المال لا طعام ولحم بحيوان وذهب ورأس المال ورق وعكسه الخ‏.‏ وقد تقدمت الإشارة إليها في فصل العروض عند قوله‏:‏ وما لبيع قبل قبض مانع‏.‏ وبهذا يكون الكلام مرتبطاً بعضه ببعض ولا يبقى عليه شيء من شروط القضاء بغير الجنس، وأما بجنسه فقد دخل في التحصيل المتقدم وسلم من قولنا‏:‏ وإن يصح سلم رأس المال يقرأ بسكون اللام للوزن، والحاصل أن قضاء الدين بغير جنسه وهو بيعه ممن هو عليه إن كان عيناً فإما أن يأخذ عنه عيناً أخرى أو عرضاً فالأول صرف يشترط فيه حلول الدين وتعجيل المأخوذ، والثاني يشترط تعجيله فقط وإن كان الدين غير عين فيشترط تعجيل المأخوذ أيضاً لا حلوله، ويزاد فيه إن كان من بيع أن يجوز بيعه قبل قبضه، وأن يسلم فيه رأس المال وأن يباع بالمسلم فيه مناجزة الخ والله أعلم‏.‏

ولما تكلم على بيع الدين واقتضائه شرع في الكلام على المقاصة فيه فقال‏:‏

قد مضى الدَّيْنُ من الدَّيْنِ وفي *** عَيْنٍ وَعَرْضٍ وَطَعَامٍ قَدْ يَفِي

‏(‏قد مضى‏)‏ بالبناء للمفعول ‏(‏الدين من الدين‏)‏ أي يقتضي كل من ربي الدين دينه الذي له على صاحبه من نفسه، ويحتمل أن يكون المراد ويقتضي رب الدين دينه الذي له على صاحبه من الدين الذي لصاحبه عليه‏.‏ هذا مراده وإلاَّ فعبارته تشمل الحوالة مع أن المراد خصوص المقاصة فلو قال‏:‏

تطارح الدين لجانبين *** بشرطه يجوز بين اثنين

فما يكونان الخ‏.‏ لكان أحسن‏.‏ وعرفها ابن عرفة بقوله‏:‏ متاركة مطلوب بمماثل صنف ما عليه لمآله على طالبه فيما ذكر عليهما‏.‏ فقوله‏:‏ بمماثل متعلق بمطلوب وهو صفة لمحذوف أي بدين مماثل، وقوله‏:‏ صنف بالرفع فاعل بمماثل، ويحتمل أن يقرأ بالإضافة من إضافة الصفة للموصوف أي مطلوب بصنف ما عليه المماثل لمآله على طالبه فيخرج به المختلفان نوعاً فيقتضي أن المقاصة فيهما لا تصح، وفيه نظر كما يأتي‏.‏ وقوله‏:‏ لمآله على طالبه يتعلق بمماثل على كلا الاحتمالين، واللام زائدة لتقوية العامل، وما مفعول واقعة على الدين، وعلى كون لفظ صنف فاعلاً لو حذف ما عليه وقال بمماثل صنفه لكان أحسن، وقوله‏:‏ فيما ذكر متعلق بمتاركة وما ذكر هو الصنفية‏.‏ وقوله‏:‏ عليهما حال مما ذكر أي حال كون ذلك المذكور عليهما احترازاً مما إذا تاركه في حق لهما على شخص آخر فإن كان لهذا عليه عرض وللآخر عليه مثله في الصنفية وأخذ كل منهما ما لصاحبه فليست مقاصة‏.‏ وهذا الحد لا يخفى ما فيه من التعقيد مع كونه لا يشمل المقاصة في النوعين، اللهم إلا أن يقال المراد بالصنف الجنس فيشمل المقاصة في الذهب والفضة لأنهما جنس واحد، وإذا جازت في مقتفى الجنس فأحرى في مقتفى الصنف، ومعناه حينئذ أن المقاصة هي أن يتارك المطلوب بدين مماثل جنسه ديناً له على طالبه في الجنسية المذكورة لا في القدر فقط حال كون المذكور عليهما وأسهل منه أن يقال هي تطارح المتداينين دينهما المتفق الجنس على أن يأخذ كل منهما ما في ذمته في مقابلة ما له في ذمة صاحبه والله أعلم‏.‏ ‏(‏وفي‏.‏ عين وعرض وطعام قد يفي‏)‏ أي‏:‏ يأتي اقتضاء الدين من الدين على وجه المقاصة في العين وفي العرض وفي الطعام وفي كل منهما ست وثلاثون صورة فتنتهي إلى مائة وثمانية‏.‏

وبيانها‏:‏ أن الدينين إذا كانا عينين إما أن يكونا من بيع أو من قرض، أو أحدهما من بيع، والآخر من قرض وفي كل من الثلاثة إما أن يتفق العينان جنساً وقدراً وصفة أو يختلفا جنساً أو صفة أو قدراً، فهذه الأربع في ثلاث قبلها باثني عشر، وفي كل إما أن يحل الدينان أو يحل أحدهما فقط أو لا يحل واحد منهما ثلاثة في اثني عشر بست وثلاثين، ومثلها إذا كان الدينان عرضين فهما إما من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض، وفي كل إما أن يتفقا جنساً وقدراً وصفة أو يختلفا جنساً أو صفة أو قدراً باثني عشر، وفي كل إما أن يحل الدينان معاً أو أحدهما أو لا يحل واحد منهما بست وثلاثين أيضاً، وكذا يقال فيما إذا كانا طعامين هكذا حاصل هذه الصور في تكميل التقييد‏.‏ وقد تكلم الناظم على بعض صور كل من الثلاثة التي في النظم، ولم يستوف جميعها وبدأ منها بالعين فقال‏:‏

فما يكونان بِهِ عَيْناً إلى *** مُماثِلٍ وذي اخْتِلافٍ فُضِّلا

‏(‏فما‏)‏ أي فالوجه الذي ‏(‏يكونان‏)‏ أي الدينان ‏(‏به عيناً إلى مماثل‏)‏ في القدر والنوع والصفة وفيه ثلاث صور لأنهما حينئذ إما من بيع أو قرض أو أحدهما من بيع والآخر من قرض ‏(‏و‏)‏ إلى ‏(‏ذي اختلاف‏)‏ في النوع وفيه ثلاث أيضاً، أو في القدر وفيه ثلاث أيضاً، أو في الصفة وفيه ثلاث كذلك ‏(‏فضلا‏)‏ بالبناء للمجهول خبر ما والمجرور بإلى متعلق به فالمجموع اثنتا عشرة صورة، وفي كل منها إما أن يحلا أو أحدهما أو لا يحل واحد منهما بست وثلاثين، وقد علمت أن صور المماثل منها تسعة وصور الاختلاف منها سبع وعشرون، فأشار إلى صور المماثل بقوله فيما يأتي‏:‏ وفي تأخر الذي يماثل الخ‏.‏ وإلى بعض ما يجوز من صور الاختلاف بقوله‏:‏

فما اخِتلافٌ وَحُلُول عَمَّهْ *** يَجُوزُ فيهِ صَرْفُ مَا في الذِّمَّهْ

‏(‏فما اختلاف‏)‏ أي فالوجه الذي عمه اختلاف يعني في النوع أو في الصفة، وذلك كالذهب والفضة أو محمدية ويزيدية ‏(‏وحلول عمه‏)‏ أي عمه الاختلاف في النوع أو في الصفة لا في القدر وعمه الحلول بأن كان الدينان معاً حالين‏.‏ ‏(‏ويجوز فيه صرف ما في الذمه‏)‏ أي مبادلة ما في الذمة وفي كل منهما ثلاث صور لأنهما في الاختلاف في النوع إما من بيع أو قرض أو أحدهما، وفي الاختلاف في الصفة كذلك فالمجموع ست صور جائزة كلها إلا أنه في الاختلاف في النوع لا يراعى الاتحاد في القدر، وفي الاختلاف في الصفة لا بد من اتحاده كعشرة دراهم محمدية عن عشرة يزيدية، وتفهم صور الاختلاف في الصفة من صور الاختلاف في النوع بالأحرى لأنه إذا جاز ذلك مع الاختلاف في النوع بشرطه فلأن يجوز مع الاختلاف في الصفة بالأحرى، فصور الاختلاف في الصفة داخلة في النظم كما ترى، ومفهوم حلول الخ‏.‏ اثنتا عشرة صورة‏:‏ ست في الاختلاف في النوع وهي عدم حلولهما معاً أو عدم حلول أحدهما، وفي كل إما من بيع أو قرض أو أحدهما، وست في الاختلاف في الصفة كذلك وكلها غير جائزة للصرف أو البدل المؤخرين ويزاد على ذلك تسع صور التي في الاختلاف في القدر، فظاهر النظم جواز ما حل منها لدخولها في عموم قوله‏:‏ فما اختلاف مع أنها ممنوعة كلها لربا الفضل كدينار في مقابلة دينارين فإما من بيع أو قرض أو أحدهما، وفي كل إما حالين أو مؤجلين أو أحدهما بتسع تضم للاثني عشر قبلها التي هي مفهوم النظم يكون المجموع إحدى وعشرين صورة كلها ممنوعة، ويبقى من صور الاختلاف ست صور جائزة وهي منطوق النظم كما مر والله أعلم‏.‏

وفي تَأَخُّرِ الذِي يُمَاثِلُ *** ما كان أَشْهَبُ بِمَنْعٍ قَائِلُ

ثم أشار إلى تسع صور المماثل فقال‏:‏ ‏(‏وفي تأخر‏)‏ الدين ‏(‏الذي يماثل‏)‏ الدين المأخوذ عنه ‏(‏ما‏)‏ استفهامية أي كيف ما ‏(‏كان‏)‏ التأخير سواء كان في الدينين معاً أو في أحدهما‏.‏ وفي كلِّ إما من بيع أو قرض أو أحدهما ‏(‏أشهب‏)‏ مبتدأ خبره ‏(‏بمنع قائل‏)‏ في هذه الست كلها والمجرور الأول والثاني يتعلقان بالخبر، وفهم من نسبة المنع فيها لأشهب وحده أن ابن القاسم يقول بالجواز وهو المشهور، ومفهوم قوله‏:‏ وفي تأخر الخ‏.‏ أنهما إذا حلا معاً وفيه ثلاث صور لأنهما إما من بيع أو قرض أو أحدهما جاز على كلا القولين وإليه أشار بقوله‏:‏

وفي اللَّذَيْنِ في الْحُلُولِ اتَّفَقَا *** عَلَى جَوَازِ الانْتِصَافِ اتَّفَقَا

‏(‏وفي‏)‏ العينين ‏(‏اللذين بالحلول‏)‏ متعلق بقوله ‏(‏اتفقا‏)‏ صلة الموصول ‏(‏على جواز الانتصاف‏)‏ أي المقاصة لأن كل واحد ينصف من حقه بها ‏(‏اتفقا‏)‏ أي اتفق أشهب وابن القاسم على جواز المقاصة في العينين اللذين اتفقا في الحلول، وقد تماثلا نوعاً وصفة وقدراً كعشرة محمدية عن مثلها أو يزيدية عن مثلها، فهذه التسع التي هي صور التماثل تضم إلى سبعة وعشرين التي هي صور الاختلاف يكون المجموع ستاً وثلاثين، وبها تمت صور العينين وإلى صور التماثل أشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ وتجوز المقاصة في ديني العين مطلقاً أي من بيع أو قرض أو أحدهما حلا أو أحدهما أو لا‏.‏ وأشار إلى صور الاختلاف بقوله‏:‏ وإن اختلفا صفة مع اتحاد النوع أو اختلافه فكذلك إن حلا وإلا فلا الخ‏.‏

ثم أشار الناظم إلى ما إذا كان الدينان عرضا فقال‏:‏

وذاك في العَرْضَيْنِ لا المِثْلَيْنِ حَلْ *** بِحيْثُ حلاَّ أوْ توافَقَ الأجلْ

‏(‏وذاك‏)‏ الانتصاف الذي بمعنى المقاصة ‏(‏في العرضين لا‏)‏ أي غير ‏(‏المثلين‏)‏ كثوب وفرس وكساء وقميص والمجرور يتعلق بالخبر الذي هو ‏(‏حل‏)‏ أي جاز ‏(‏بحيث حلاَّ‏)‏ أي حل أجل العرضين معاً ‏(‏أو‏)‏ تأجلا و‏(‏توافق الأجل‏)‏ فيهما، والتقدير وذاك الانتصاف الذي هو المقاصة جائز في العرضين المختلفين جوازاً مقيداً بحلول الدينين معاً أو توافق أجلهما حين المقاصة، ويدخل في العرضين غير المثلين سبع وعشرون صورة لأن الاختلاف إما في الجنس كثوب وفرس، أو في الصفة كثوب كتان وثوب قطن، ومن ذلك هروي ومروي أو في القدر كثوبين من كتان عن واحد من قطن، وفي كل إما من بيع أو قرض أو أحدهما، فهذه تسع‏.‏ وفي كل منها إما حالين أو مؤجلين أو أحدهما، فأخبر الناظم أن الجائز منها ست صور وثلاث فيما إذا اختلفا جنساً وحلا حقيقة أو حكماً لتوافق الأجل فإما من بيع أو قرض أو أحدهما‏.‏ وثلاث فيما إذا اختلفا صفة كذلك، ويفهم منه أن الأحد والعشرين الباقية كلها ممنوعة وهو كذلك في الست الباقية من الاختلاف في الجنس، وهي ما إذا لم يحلا حقيقة ولا حكماً أو حل أحدهما، وفي كل إما من بيع أو قرض أو أحدهما، وكذا في الست الباقية من الاختلاف في الصفة لما في ذلك من بيع الدين بالدين في الجميع، وأما التسع التي في الاختلاف في القدر وهي كونها من بيع أو قرض أو أحدهما حلا أو لم يحلا معاً أو أحدهما ففيها تفصيل، فإن كانا من بيع وحلا جاز وإن كانا من قرض لم يجز لما فيه من قضاء القرض بأكثر خلافاً لظاهر النظم من جواز ذلك ولو في القرض وأما إن كانا مؤجلين أو أحدهما فيمنع كما هو مفهوم النظم لما فيه من ضع وتعجل مطلقاً أو حط الضمان وأزيدك حيث كانا من بيع‏.‏

فإن قيل‏:‏ تقدم في العين أنها لا تجوز مع التأجيل ولو اتفق الأجل فلم جازت في العرض مع اتفاقه‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن اللازم في العين صرف مؤخر وباب الصرف أضيق من بيع الدين اللازم في العرضين، وإنما لم يعتبر بيع الدين في المتفقين أجلاً لأن ذلك حينئذ في معنى المبارأة لأنه لما كان لا يقدر أحدهما على طلب دينه إلا عند أجل الآخر كان ذلك بمنزلة الحالين والله أعلم‏.‏ ومفهوم قوله‏:‏ لا المثلين أن العرضين إذا كانا متفقين في الجنس والصفة والقدر جازت المقاصة في تسع صورها كانا من بيع أو قرض أو أحدهما حلا أو لم يحلا أو أحدهما لأن العرضين المتماثلين يبعد قصد المكايسة والمغالبة فيهما، فيكون المقصود هو المعروف فلا تدخل في غير الحالين تهمة من تعجل ما أجل يعد مسلفاً، وإلى المقاصة في العرضين المتماثلين أشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ وتجوز في العرضين مطلقاً أي اتحدا جنساً وصفة أي وقدراً، وإلى جوازها في المختلفين بشرط الحلول أو اتفاق الأجل بقوله‏:‏ كأن اختلفا جنساً واتفقا أجلاً وإن اختلفا أجلاً منعت إن لم يحلا أو أحدهما الخ‏.‏

قلت‏:‏ لو قال أعني ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وتجوز في العرضين مطلقاً إن اتفقا قدراً أو جنساً أو صفة لا إن اختلفا قدراً أو جنساً أو صفة ولم يحلا أو لم يتفق الأجل وإلاَّ جاز في الأخيرين كالأول إن وحلا هما من بيع لكفاه‏.‏

ثم أشار إلى ما إذا كان الدينان طعاماً وفيه ست وثلاثون أيضاً أشار إلى اثني عشر منها بقوله‏:‏

وفي تَوَافُقِ الطَّعَامَيْنِ اقُتُفِي *** حَيْثُ يَكونان معاً مِنْ سَلَفِ

‏(‏وفي توافق الطعامين‏)‏ يتعلق بقوله ‏(‏اقتفي‏)‏ بالبناء للمفعول ونائبه يعود على الانتصاف أي اقتفي واتبع الانتصاف الذي بمعنى المقاصة في الطعامين المتفقين في الجنس والقدر والصفة ‏(‏حيث يكونان معاً من سلف‏)‏ حلا أو أحدهما أم لا، فهذه ثلاث من الاثني عشر المذكورة‏.‏

وفِي اختِلافٍ لا يَجوزُ إلاّ *** إنْ كان كُلٌّ مِنْهُمَا قَدْ حَلاَ

‏(‏وفي اختلاف‏)‏ يتعلق بقوله ‏(‏لا يجوز‏)‏ أي‏:‏ ولا يجوز الانتصاف في اختلافهما في الجنس كقمح وفول، أو في الصفة كعشرة سمراء عن مثلها محمولة، أو في القدر كخمسة محمولة عن سبعة محمولة ودخلا على إلغاء الزائد على خمسة في الذمة ‏(‏إلا إن كان كل منهما قد حلا‏)‏ لأنها حينئذ مبادلة يداً بيد‏:‏ ‏(‏خ‏)‏ والطعامان من قرض كذلك أي فتجوز مع الاتفاق مطلقاً ومع الاختلاف بشرط الحلول فقد دخل في الاختلاف تسع صور لأنهما إذا اختلفا في الجنس وهما من سلف كما هو الموضوع فإما أن يحلا أو أحدهما أم لا، فهذه ثلاث‏.‏ ومثلها في الاختلاف في الصفة ومثلها في الاختلاف في القدر بتسع، حكى الجواز فيما إذا حلا معاً وبقيت صور تأجيلهما معاً أو تأجيل أحدهما على حكم المنع لما فيه من بيع الطعام بالطعام نسيئة، واحترزت بقولي‏:‏ ودخلا على إلغاء الزائد في الذمة الخ‏.‏ عما إذا لم يدخلا على ذلك فإنه لا يجوز، ولو حلا لما فيه من ربا الفضل، وكذا يقال في الاختلاف في الصفة لا بد أن يدخلا على إلغاء الزائد إن كان هناك زائد وإلا لم يجز لربا الفضل أيضاً، ولا يشترك ذلك في الاختلاف في الجنس، فصورتا الاختلاف في الصفة والقدر يزاد فيهما على شرط الحلول أن يدخلا على عدم إلغاء الزيادة‏.‏

ثم أشار إلى الاثنتي عشرة صورة التي في الطعامين من بيع فقال‏:‏

وَإنْ يَكونا مِنْ مَبيعٍ وَوَقَعْ *** فيهِ بالإطْلاَقِ اخْتِلاَفٌ امْتَنَعْ

‏(‏وإن يكونا‏)‏ أي الطعامان ‏(‏من مبيع‏)‏ اسم مفعول بمعنى المصدر أي‏:‏ من بيع ‏(‏ووقع فيه‏)‏ يتعلق بوقع ‏(‏بالإطلاق‏)‏ يتعلق بامتنع آخر البيت ‏(‏اختلاف‏)‏ فاعل وقع ‏(‏ امتنع‏)‏ جواب الشرط والتقدير‏:‏ وإن يكن الطعامان من بيع واختلفا في الجنس أو في الصفة أو في القدر امتنعت المقاصة بالإطلاق حلا أو أحدهما أم لا‏.‏ فتدخل في الاختلاف تسع صور كما ترى‏.‏ وأشار إلى الصور الثلاث الباقية لتمام الاثني عشر وهي‏:‏ إذا اتحد الطعامان جنساً وصفة وقدراً فإما أن يحلا أو أحدهما أم لا بقوله‏:‏

وَفي اتِّفَاقِ أجَلَيْ مَا اتّفقَا *** هُوَ لَدَى أَشْهَبَ غَيْرُ مُتَّقَى

‏(‏وفي اتفاق أجلي ما‏)‏ أي الطعامان اللذين ‏(‏اتفقا‏)‏ جنساً وصفة وقدراً ‏(‏هو‏)‏ مبتدأ عائد على الانتصاف المتقدم ‏(‏لدى أشهب غير متقى‏)‏ خبر عن المبتدأ والظرف والمجرور بفي يتعلقان به، والتقدير‏:‏ وهو أي الانتصاف غير ممنوع عند أشهب في الطعامين المنفقين أجلاً وجنساً وصفة وقدراً بناء على أنها إقالة، وأحرى أن يجوز عنده ذلك إذا حلا معاً، وفهم من تخصيصه الجواز بأشهب أن ابن القاسم يقول بالمنع، وهو المشهور ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ومنعا أي الطعامان من بيع ولو متفقين الخ‏.‏ قال ‏(‏ز‏)‏‏:‏ لعلل ثلاث بيع الطعام قبل قبضه وهذه عامة، وطعام بطعام، ودين بدين نسيئة وهاتين في غير الحالين‏.‏

ثم أشار إلى الاثني عشر التي في الطعامين من بيع وقرض وهي كمال ست وثلاثين صورة التي في الطعامين فقال‏:‏

وَشَرْطُ ما من سَلَفٍ وَبَيْع *** حُلُول كُلَ وَاتِّفَاقُ النَّوْعِ

‏(‏وشرط ما‏)‏ أي الطعامين اللذين أحدهما ‏(‏من سلف و‏)‏ الآخر من ‏(‏بيع حلول كل‏)‏ منهما ‏(‏واتفاق النوع‏)‏ أي‏:‏ أو القدر كمحمولة عن مثلها قدراً وصفة، فالمراد بالنوع الصفة إذ لا يكفي الاتفاق في النوع مع الاختلاف في الصفة، وبالجملة فالطعامان من بيع وسلف إذا اتفقا جنساً وصفة وقدراً ففي ذلك ثلاث صور لأنهما إما أن يحلا أو أحدهما أو لا‏.‏ حكى الجواز في صورة وهي حلولهما معاً وبقيت صورتا تأجيلهما أو أحدهما‏.‏ حكى في جواز المقاصة فيهما خلافاً بقوله‏:‏

والْخُلْفُ في تَأَخُّرِ مَا كَانَا *** ثَالِثُهُمَا مَعْ سَلَمٍ قَدْ حَانَا

‏(‏والخلف في تأخر ما كانا‏)‏ أي كيف كان التأخير في طعام البيع أو طعام القرض أو فيهم أي‏:‏ والموضوع بحاله من اتفاق الجنس والصفة والقدر، فمنع ذلك ابن القاسم مطلقاً تأخرا معاً أو القرض أو السلم وهو المشهور، وأجاز ذلك أشهب مطلقاً ‏(‏ثالثهما‏)‏ لغيرهما تجوز ‏(‏مع سلم‏)‏ من نعته وصفته ‏(‏قد حانا‏)‏ أي‏:‏ وصل حينه والفرق على هذا الثالث أن طعام السلف لما كان المدين قادراً على تعجيله جبراً على ربه، وقد حل دين السلم أي البيع صار الدينان حالين معاً في المعنى بخلاف العكس، وعلة المنع عند ابن القاسم أن الأغراض تختلف باختلاف الأجل فيترجح جانب بيع الطعام قبل قبضه بالنسبة لطعام البيع، ولأن المعجل لما في الذمة مسلف، وعلة الجواز عند أشهب تغليب المعروف، وإنما لم ينظر في صورة حلولهما معاً لبيع الطعام قبل قبضه بالنسبة لطعام البيع تغليباً لجانب القرض لأنه معروف وانضم لذلك أن المقاصة معروف أيضاً فجازت هذه الصورة على كل قول، فقول الناظم‏:‏ واتفاق النوع إما أن يريد بالنوع الجنس فيكون قد حذف الواو ومعطوفيها أي والصفة والقدر، وإما أن يكون أراد بالنوع الصفة فيكون قد حذف الواو ومعطوفاً واحداً كما قررناه إذ الاتفاق في الجنس والقدر لا بد منه لأنهما لو اختلفا قدراً ودخلا على إلغاء الزائد لم يجز، ولو حلا لربا الفضل كما لا يجوز إذا اختلفا جنساً أو صفة، ولو حلا واتفقا قدراً، وقد علمت من هذا أن منطوق الناظم شامل لثلاث صور‏:‏ حكى الجواز في واحدة منها اتفاقاً، وحكى الخلاف في الصورتين الباقيتين كما مر، ومفهوم قوله‏:‏ واتفاق النوع أي الجنس أنهما إذا اختلفا فيه أو في الصفة أو في القدر ودخلا على إلغاء الزائد لم تجز ولو حلا وذلك شامل لتسع صور لأنهما في اختلاف الجنس إما أن يحلا أو أحدهما أم لا‏.‏ ومثلها في اختلاف الصفة، ومثلها في اختلاف القدر حيث دخلا على إلغاء الزائد وكلها ممنوعة، ولو حلا كما أشار لذلك ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ ومن قرض وبيع تجوز إن اتفقا وحلاّ لا إن لم يحلا أو أحدهما الخ‏.‏‏.‏‏.‏ فتحصل أن الاثنتي عشرة صورة الجارية في طعامي البيع والقرض تجوز منها صورة واحدة وما عداها ممنوع إما اتفاقاً أو على المشهور‏.‏

فصل في الحوالة

مأخوذة من التحول عن الشيء لأن الطالب تحول من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه قاله عياض، والأصل فيها قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏مطل الغني ظلم، ومن أتبع أحدكم على مليء فليتبع‏)‏‏.‏ عياض‏:‏ الصواب تسكين التاء يعني في اللفظتين قال‏:‏ وبعض المحدثين والرواة يشددها‏.‏ يقال‏:‏ تبعت فلاناً بحقي وأنا أتبعه ساكنة التاء، ولا يقال أتبعه بفتحها وتشديدها إلا من المشي خلفه‏.‏ قال‏:‏ والأمر فيها للندب عند أكثر شيوخنا، وحملها بعضهم على الإباحة لما أشبهت بيع الدين بالدين‏.‏ قال‏:‏ وهي عند أكثر شيوخنا مستثناة من الدين بالدين وبيع العين بالعين غير يد بيد كما خصت الشركة والتولية والإقالة في بيع الطعام قبل قبضه، وكما خصت العرية من بيع الطعام بالطعام نسيئة لما كان سبيل هذه التخصيصات المعروف، وذهب الباجي إلى أنها ليس حكمها حكم البيع ولا هي من هذا الباب، بل هي عندهم من باب النقد لبراءة المحيل بنفس الإحالة اه‏.‏ وعرفها ابن عرفة بقوله‏:‏ طرح الدين عن ذمة بمثله في أخرى‏.‏ قال‏:‏ ولا ترد المقاصة إذ ليست طرحاً بمثله في أخرى لامتناع تعلق الدين بذمة من هو له اه‏.‏ والطرح فعل الفاعل أي طرح المحال للدين عن ذمة المحيل الخ‏.‏ واعترض بأنه غير جامع لخروج من تصدق على رجل بشيء ثم أحاله به على من له عليه مثله ولخروج الحوالة بالمنافع، ولذا عرفها في التلقين بأنها تحويل الحق من ذمة إلى ذمة تبرأ بها الأولى قال في ضيح‏:‏ لفظ حق أفضل من لفظ الدين الذي عبر به ابن الحاجب، لأن المتبادر من الدين ما قابل المنافع بخلاف لفظ الحق فإنه يشمل المنافع وغيرها اه‏.‏ ولعل ابن عرفة أطلق الدين على دين المنافع وغيرها فلا يرد عليه الاعتراض الثاني‏.‏

وامْنَعْ حَوَالَةً بِشَيْءٍ لم يَحِلْ *** وبالَّذِي حَلَّ بالإطلاَقِ أَجلْ

‏(‏وامنع حوالة بشيء‏)‏ عين أو عرض أو غيرهما ‏(‏لم يحل‏)‏ أجله لأنه حينئذ من بيع ذمة بذمة فيدخله ما نهي عنه من بيع الدين بالدين، ومن بيع العين بالعين غير يد بيد قاله ابن رشد‏.‏ قال‏:‏ إلا أن يكون الدين الذي انتقل إليه حالاً ويقبضه قبل أن يعترفا مثل الصرف فيجوز ذلك أي‏:‏ لأنها إذا خرجت عن محل الرخصة فتجري على حكم أصلها الذي هو البيع كما يأتي ‏(‏وبالذي حل بالإطلاق‏)‏ يتعلقان بقوله‏:‏ ‏(‏أحل‏)‏ أي أجزأ لحوالة بما حل مطلقاً كان الدين المحال عليه حالاً أيضاً أم لا لأنه إن حل فظاهر وإن لم يحل فزيادة معروف لأنه قبل الحوالة والتأخير‏.‏

والرِّضا والعِلْمِ مِنْ مُحَالِ *** عَلَيْهِ في المَشْهُورِ لاَ تُبَالِ

للاتفاق على أن لصاحب الحق أن يوكل من شاء على قبض دينه، وحكى ابن شعبان قولاً باشتراط رضاه ومحل عدم اشتراط رضا المحال عليه على المشهور إذا لم تكن هناك عداوة بين المحال والمحال عليه، وإلاَّ فلا بد من رضاه وإلاَّ لم تصح كما في الشامل وغيره، ومفهوم النظم أن المحيل والمحال لا بد من رضاهما وبه صرح

‏(‏خ‏)‏ حيث قال‏:‏ شرط الحوالة رضا المحيل والمحال فقط الخ‏.‏ وظاهر النظم و‏(‏خ‏)‏ أنه لا يشترط حضور المحال عليه ولا إقراره بالدين وهو الذي شهره ابن سلمون، وقيل‏:‏ لا بد من حضوره وإقراره وصدر به في الشامل وعزاه لابن القاسم فقال‏:‏ وفي اشتراط حضوره وإقراره كانتفاء عداوة بينهما‏.‏ قولان لابن القاسم وعبد الملك اه‏.‏ قال ابن عبد السلام‏:‏ ولعل الخلاف مبني على الخلاف هل الحوالة تستثنى من بيع الدين بالدين أو هي أصل مستقل بنفسه‏؟‏ فعلى الأول يسلك بها مسلك البيوع إلا الذي وردت الرخصة فيه، وعلى الثاني لا يشترط الحضور ويبقى حديث الحوالة على عمومه إذ لا معارض له من مخالفة أصل بيع الدين بالدين اه‏.‏ وعلى قول ابن القاسم اقتصر في الاستغناء قائلاً‏:‏ لا تجوز الحوالة على الغائب وإن وقع ذلك فسخ حتى يحضر إذ قد يكون للغائب من ذلك براءة اه‏.‏ ونحوه في الإرشاد والكافي والمتيطي وابن فتوح وقبله ابن عرفة وجزم به أبو الحسن في شرح المدونة، والمشذالي في حاشيته عليها كما في ‏(‏ح‏)‏ وهذا يفيد أن قول ابن القاسم باشتراط الحضور والإقرار هو المعتمد، وصرح ابن رحال في حاشيته هنا وشرحه لخليل بأن تشهير ابن سلمون خلاف الراجح، وتبعه على ذلك الشيخ بناني وغيره، ورد ذلك الشيخ الرهوني في حاشيته قائلاً، بعد نقله ما لابن رحال وغيره ما نصه‏:‏ وفي ذلك كله نظر، والظاهر ما قاله ابن سلمون نقلاً ومعنى، أما معنى فلأنهم عللوا اشتراط حضوره بأنه قد يكون للغائب براءة من ذلك، وهذا التعليل يقتضي أن علة المنع إذا لم يحضر ويقل الغرر، وقد علمت أن الحوالة من ناحية المعروف والمعروف لا يؤثر فيه الغرر، وكونها من المعروف مصرح به في كلام غير واحد ويسلمه هؤلاء المعترضون، ثم نقل عن التونسي والمازري وغيرهما ما يشهد لاعتراضه على زعمه وأطال في ذلك‏.‏

قلت‏:‏ ما ذكره كله للنظر فيه مجال أما أولاً فلأنها وإن كانت معروفاً فإنما يغتفر فيها على قول ابن القاسم ما اغتفره الشارع صلوات الله عليها لأنها عنده بيع فما وردت الرخصة به فيها كعدم المناجزة في العين اغتفر، وما لم ترد به فهي على أصل البيع فيه، وعدم اشتراط المناجزة مصرح به في الحديث الكريم حيث قال‏:‏ ‏(‏ومن اتبع منكم‏)‏ الخ‏.‏ إذ الاتباع لا مناجزة فيه، وكذا يفهم منه أنه لا يشترط الكشف عن ذمة المحال عليه إذ المطلق على إطلاقه فلا يقيد إلا بنص صريح، وإنما خص المليء بالذكر لأن الغالب في الناس الملاء كما أن الغالب فيهم جحد الديون من أصلها وإرادة الطعن في رسومها أو إثبات البراءة منها، وإن لم يكن هذا غالباً فلا أقل أن يستويا كما هو مشاهد، ولذا أمر الله تعالى بالإشهاد فقال‏:‏ وأشهدوا إذا تبايعتم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 282‏)‏ وأياً ما كان فهو غرر كثير وليست هي متمحضة للمعروف كالهبة حتى يغتفر فيها الجهل بحصول العوض، بل هي معاوضة حقيقة روعي فيها جانب المعروف بعدم اعتبار بعض شروط البيع فيها، ولو كان كل ما روعي فيه جانب المعروف يغتفر فيه الجهل بحصول العوض لم يشترطوا في العرية أن تباع بخرصها أي بكيلها، إذ لا حاجة له حينئذ ولأجل هذا قال ابن رشد‏:‏ إذا خرجت الحوالة عن محل الرخصة أي بعدم الحلول يعني أو بعدم الحضور والإقرار على قول ابن القاسم فأجروها على قواعد البيع فإن أدت لممنوع وإلا فأجز اه‏.‏ وأما ثانياً فإن ما ذكره من أنها معروف فإنما ذلك على إحدى الطريقتين كما نقله هو بنفسه عن المازري قائلاً‏:‏ والحوالة ليست ببيع على إحدى الطريقتين عندنا بل طريقتها المعروف اه‏.‏ ونحوه تقدم عن ابن عبد السلام في سر الخلاف بين ابن القاسم والغير، وغالب النقول التي احتج بها على جواز الغرر بعدم الإقرار كلها في عدم اشتراط الكشف عن ذمة المحال عليه، ولا يلزم من تشهيرهم عدم الكشف عن ذمته عدم اشتراط حضوره وإقراره، إذ قد يحضر ويقر ولا يدري هل مليء أو معسر، وإنما اغتفروا الكشف عنه على المشهور لأن غالب الناس الملاء والحكم للغالب وكونه عديماً نادر، والغرر النادر مغتفر في البياعات إذ لو اعتبر الغرر النادر فيها ما جاز بيع بحال إذ ما من مبيع إلا ويجوز استحقاقه أو ظهور عيب به فلا يدري هل يتم فيه البيع أم لا‏؟‏ ولكون غالب الناس الملاء علق في الحديث الكريم الاتباع على الملىء كما مر والله أعلم‏.‏

ولا يَجُوزُ أَنْ يُحالَ إلاّ *** فِيمَا يُجَانِسُ لِدَيْنٍ حَلاَّ

‏(‏ولا يجوز أن يحال إلا فيما يجانس لدين حلا‏)‏ ‏(‏خ‏)‏ عاطفاً على شروطها وتساوي الدينين قدراً وصفة أي‏:‏ لا تجوز الحوالة إلا إذا كان الدين المحال به مجانساً أي مماثلاً للدين المحال عليه في الجنس والقدر والصفة كذهب وذهب أو فضة وفضة أو عرض على مثله قدراً وصفة فلا يحال بعين على عرض أو على منافع عين لما فيه من فسخ الدين ولا بذهب على فضة ولا بدينار على دينارين لما فيه من ربا الفضل اللهم إلا أن يحيله على أحدهما فقط ويبقى الآخر لصاحبه أو يقبض العوض المحال عليه مكانه، وأما المنافع فلا يجوز لأن قبض الأوائل ليس كقبض الأواخر ولا بالأدنى صفة على الأعلى كإحالته بيزيدية على محمدية، وفي العكس وهو أن يحيله بالمحمدية على اليزيدية أو بالأكثر قدراً على الأقل منه كإحالته بدينارين على دينار تردد ‏(‏خ‏)‏ وفي تحوله على الأدنى أو الأقل تردد أي بالجواز‏.‏ اللخمي والمازري‏:‏ لأنه زيادة معروف والمنع لابن رشد وعياض وهو ظاهر العتبية والموازية لأنه يؤدي للتفاضل بين العينين، وظاهر النظم أنه درج على ما لابن رشد لاقتصاره على التجانس أي في القدر والصفة، فيفهم منه أنه الراجح عنده قاله ابن رشد‏.‏ الثاني من شروط الحوالة‏:‏ أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه في القدر والصفة لا أقل ولا أكثر ولا أدنى ولا أفضل؛ لأنه إن كان أقل أو أكثر أو مخالفاً له في الصفة لم تكن حوالة وكان بيعاً على وجه المكايسة فيدخلها ما نهى عنه من الدين بالدين اه‏.‏ ثم محل المنع في التحول على الأعلى صفة إذا لم يقبضه قبل الافتراق وإلاَّ جاز إن حلا معاً إذ ذاك حينئذ مبادلة وشرط جوازها الحلول والقبض، وكذا محل المنع في المختلفين جنساً إذا لم يحلا ويقبضا في الحين كما قال‏:‏

ولا تُحِلْ بِأَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي *** ثانِيهِمَا إلاَّ إن القَبْضُ اقْتُفِي

‏(‏ولا تحل بأحد النقدين‏)‏ الحالين ‏(‏في‏)‏ أي على ‏(‏ثانيهما إلا أن القبض اقتفي‏)‏ أي اتبع بحضرة الثلاثة في مجلس لم يطل، وقولي الحالين احترازاً مما إذا لم يحل المحال عليه، فلا يجوز إذ صرف ما في الذمة شرطه الحلول، وأما حلول المحال به فهو الموضوع‏.‏

وفي الطّعامِ ما إحَالَةٌ تَفِي *** إلاّ إذَا كَانَا مَعاً مِنْ سَلَفِ

‏(‏وفي الطعام ما‏)‏ نافية ‏(‏إحالة‏)‏ مبتدأ خبره ‏(‏تفي‏)‏ أي تجيء والمجرور يتعلق به أي لا تجيء الحوالة في الطعام ولا تجوز فيه أنفق الطعامان أم لا‏.‏ استوت رؤوس أموالهما أم لا‏.‏ حلا أو احدهما أو لا‏.‏ خلافاً لأشهب في إجازته إياها إذا اتفق الطعامان ورؤوس أموالهما على أنها من معنى الإقالة أو التولية إذ أخذ المثل عن مثله إقالة أو تولية ‏(‏إلا إذا كانا‏)‏ أي الطعامان ‏(‏معاً من سلف‏)‏ فتجوز حينئذ، وإن لم يحل الدين المحال عليه لأن طعام القرض يجوز بيعه قبل قبضه بخلاف ما إذا كانا معاً من بيع فإنها لا تجوز، ولو حلا ولو قبضه المحال بحضرة المحيل والمحال عليه لما فيه من بيع الطعام قبل قبضه إذ طعام البيع لا يقبضه إلا ربه، فإذا قبضه المحال كان بيعاً له قبل قبضه قال ابن المواز‏.‏

وفي اجْتِمَاعِ سَلَفٍ وَقَرْضِ *** يُشْتَرَطُ الحُلُولُ في ذَا الْقَبْضِ

‏(‏وفي اجتماع‏)‏ طعام ‏(‏سلف و‏)‏ طعام ‏(‏قرض يشترط‏)‏ في جواز الحوالة بأحدهما على الآخر ‏(‏الحلول‏)‏ أي في المحال به كما هو الموضوع و‏(‏في‏)‏ الطعام ‏(‏ذا القبض‏)‏ أي المقبوض حساً وهو الدين المحال عليه كان هو السلم أو القرض، فلا بد من حلولهما معاً وإلاَّ لم تجز على مذهب ابن القاسم وقال مالك وجميع أصحابه إلا ابن القاسم‏:‏ تجوز وإن لم يحل المحال عليه بمنزلة ما إذا كانا معاً من سلف‏.‏ ابن يونس‏:‏ وقولهم أصوب ووجهه أن العلة التي هي البيع قبل القبض ضعفت عندهم لما كان أحدهما من بيع والآخر من سلم قاله أبو الحسن، وأيضاً فإن العلة جارية ولو مع حلولهما معاً كما قاله ‏(‏ت‏)‏ وعلى قولهم عول ‏(‏خ‏)‏ حيث قال في تعداد شروطها‏:‏ وأن لا يكون طعامين من بيع الخ‏.‏ أي بل كانا من سلف أو أحدهما، فعلم من هذا أن مذهب ابن القاسم الذي درج عليه الناظم ضعيف، فهذه أربعة شروط في كلام الناظم‏:‏ حلول المحال به، ورضا المحيل والمحال، وتساوي الدينين وأن لا يكونا طعامين من بيع وبقي عليه شرط خامس وهو الصيغة‏.‏ قال في الشامل‏:‏ وشرطها صيغة بلفظها أي الخاص بها كأحلتك بحقك على فلان أو أنت محال به عليه، ومثله في ‏(‏خ‏)‏ ابن ناجي‏:‏ واشتراط الصيغة هو ظاهر الكتاب قال‏:‏ وعليه لو قال خذ حقك من هذا أو يأمره بالدفع ليس بحوالة لأنه يقول ليس هذا احتيال بالحق، وإنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما الحوالة أن تقول‏:‏ أحيلك بالحق على هذا وهو نص سماع يحيى عن ابن القاسم اه‏.‏ وعلى اشتراط الصيغة اقتصر ابن يونس واللخمي وأبو الحسن والفشتالي وفي وثائقه وأبو محمد صالح في شرح الرسالة وابن الفاكهاني، ووقع لابن رشد في البيان أنها تكون بلفظها أو ما يقوم مقامه كخذ من هذا حقك وأنا بريء من دينك واستظهره ‏(‏ح‏)‏ وهو ظاهر قول ابن عرفة‏:‏ الصيغة ما دل على ترك المحال دينه من ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه اه‏.‏ وشرط سادس وهو وجود دين للمحيل في ذمة المحال عليه، وكذا للمحال على المحيل فإن لم يكن دين للمحال على المحيل فهي وكالة لا حوالة وإن لم يكن دين للمحيل على المحال عليه فهي حمالة يشترط فيها رضا المحال عليه، ولذا قالوا‏:‏ لا يشترط رضا المحال عليه إلا في صورتين إحداهما هذه، والثانية أن تكون بين المحال والمحال عليه عداوة، وإذا كانت حمالة فإذا أعدم المحال عليه رجع المحال بدينه على المحيل، وإذا أدى المحال عليه فإنه يرجع على المحيل بما أدى ولو مقوماً كما تقدم في باب الضمان، وقولي‏:‏ وجود دين أي كان ثابتاً ببينة أو إقرار أو تصديق المحال ‏(‏خ‏)‏ في تعداد شروطها وثبوت دين لازم فإن أعلمه بعدمه وشرط البراءة صح، ثم فرع على توفر شروط الحوالة قوله‏:‏ ويتحول حق المحال على المحال عليه وإن أفلس أو جحد إلا أن يعلم المحيل فقط بإفلاسه وحلف على نفيه إن ظن به العلم قال في المدونة‏:‏ وإذا أحالك غريمك على من له عليه دين فرضيت باتباعه برئت ذمة غريمك ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه اه‏.‏ قال المغيرة‏:‏ إلا أن يشترط المحال على المحيل الرجوع عليه إن أفلس فله شرطه ويرجع على المحيل، ونقله الباجي كأنه المذهب ابن رشد، وهذا صحيح لا أعلم فيه خلافاً‏.‏ ابن عرفة‏:‏ وفيه نظر لأن شرطه مناقض لعقد الحوالة وأصل المذهب في الشرط المناقض أنه يفسده اه‏.‏ وقد ذكر ابن رحال ما يسقط اعتراض ابن عرفة فانظره ولا أقل أن يرد اعتراضه بأنها مع الشرط المذكور حوالة إذن وهي توكيل فلا يرد حينئذ ما قاله ثم مثل العلم بالإفلاس العلم باللدد فيفصل فيه بين أن يعلم به المحيل فقط فيرجع عليه وإلاَّ فلا‏.‏ وأما علمه بأنه مسيء القضاء ففيه قولان‏.‏ أحدهما أنه كاللدد والآخر أنه لا يضر، وأما علمه بأنه يجحد فإن كان معناه أنه علم من حاله أنه بعد تمام الحوالة يجحد إقراره الحاصل حين الحوالة، فهذا لا يوجب رجوعه على المحيل فيما يظهر قاله ‏(‏ز‏)‏ وإن كان معناه أنه لم يوجد الدين في ذمته لا ببينة ولا بتصديق المحال فإنه لا حوالة حينئذ لاختلال شرطها‏.‏

فصل في بيع الخيار

أي‏:‏ الشرطي وهو كما لابن عرفة بيع وقف بته أولاً على إمضاء يتوقع الخ‏.‏ فقوله‏:‏ أولاً متعلق بوقف وخرج به الخيار الحكمي أي خيار النقيصة فإن بته لم يوقف أولاً بل آخراً‏.‏ فيقال‏:‏ فيه بيع آيل إلى خيار فهو متأخر عن العقد، وسببه متقدم عليه بخلاف الخيار الشرطي فموجبه الذي هو الشرط مقارن للعقد‏.‏ ‏(‏والثنيا‏)‏ أي وبيع الثنيا وهي خيار في الحقيقة إلا أنه شرط النقد فيه فالخيار إذا لم يشترط فيه نقد الثمن ليس بثنيا، وإن اشترط فيه ذلك وشرط معه أنه إن أتاه بالثمن فمبيعه مردود عليه فهو الثنيا قال فيها‏:‏ من ابتاع سلعة على أن البائع متى رد له الثمن فالسلعة له لا يجوز بيعه لأنه سلف جر نفعاً اه‏.‏ وهذا المعنى هو الذي خصه الأكثر بالثنيا وهو المعروف اليوم بذلك وإن كان ابن رشد‏:‏ عممه في جميع الشروط المنافية للمقصود‏.‏

بَيْعُ الْخِيَارِ جَائِزُ الْوُقُوعِ *** لأَجَلٍ يَلِيقُ بِالْمَبِيعِ

‏(‏بيع الخيار‏)‏ الذي يشترطه أحد المتبايعين على الآخر أو كل منهما على صاحبه أو جرت العادة باشتراطه لأنها كالشرط صراحة كما في ‏(‏ز‏)‏ ‏(‏جائز الوقوع‏)‏ حيث كان الخيار مضروباً ‏(‏لأجل‏)‏ معلوم ‏(‏يليق بالمبيع

كَالشَّهْرِ في الأَصْلِ وَبالأَيَّامِ *** في غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ وَالطّعَامِ

كالشهر في الأصل‏)‏ من دار ونحوها وأدخلت الكاف ما زاد على الشهر بالشيء اليسير كالخمسة الأيام والستة ‏(‏و‏)‏ يؤجل ‏(‏بالأيام‏)‏ القلائل ‏(‏في غيره‏)‏ أي الأصل ‏(‏ كالعبد‏)‏ فيؤجل الخيار فيه بالجمعة ونحوها، وفي الدابة والثوب يؤجل الثلاثة الأيام ونحوها‏.‏ ‏(‏والطعام‏)‏ الذي لا يفسد ويحتاج فيه الناس للمشورة يكون أجل الخيار فيه بقدر حاجة الناس مما لا يقع فيه تغيير ولا فساد قاله في المدونة‏.‏ فقوله‏:‏ لأجل أي معلوم كما في الأمثلة احترازاً من المجهول ككونه بالخيار إلى قدوم زيد أو إلى أن ينفق سوق السلعة الفلانية ولا وقت يعلم قدومه فيه أو نفاق سوق تلك السلعة فيه، فإن البيع فاسد يرد مع القيام ويمضي بالقيمة مع الفوات، ومفهوم قوله لأجل إنه إذا وقع بالخيار ولم يضربا له أجلاً معلوماً ولا مجهولاً يكون فاسداً وليس كذلك ففيها من ابتاع شيئاً بالخيار ولم يضربا له أجلاً جاز البيع وجعل له من الأمد ما ينبغي في تلك السلعة اه‏.‏ فكتب عليه أبو الحسن ما نصه معناه‏:‏ إذا عثر عليه قبل مضي أمد الخيار، وأما إن لم يعثر عليه حتى مضى القدر الذي يضرب لتلك السلعة فإن الإمام يوقفه فأما أن يختار أو يرد اه‏.‏

قلت‏:‏ هذا ظاهر إذا عثر عليه عند انقضاء الأمد المذكور، وأما إن لم يعثر عليه حتى زاد على أمده بكثير فيظهر فساد البيع فتأمله والله أعلم‏.‏ وإذا علمت هذا وجب أن يعلق قوله لأجل ببيع أو بالخيار لا بمحذوف شرط في الجواز كما هو ظاهره وقررناه عليه، والتقدير بيع الخيار لأجل معلوم يليق بالمبيع جائز الوقوع، فهو حينئذ ساكت عن بيع الخيار الذي لم يضرب له أجل فيستظهر عليه من خارج‏.‏

وهُوَ بِالاشْتِرَاطِ عِنْدَ الْعَقْدِ *** وَلاَ يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ النَّقْدِ

‏(‏وهو‏)‏ أي الخيار ‏(‏بالاشتراط عند العقد‏)‏ كما تقدم في حد ابن عرفة فإن لم يشترط فلا خيار ولو بالمجلس على مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وهو قول الفقهاء السبعة المجموعين في قول القائل‏:‏

ألا كل من لا يقتدي بأئمه *** فقسمته ضيرى عن الحق خارجه

فخذهم عبيد الله عروة قاسم *** سعيد أبو بكر سليمان خارجه

وخالف الشافعي في ذلك متمسكاً بما ورد في الصحح من قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏(‏ المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏‏.‏ ووافقه على ذلك ابن حبيب وعبد الحميد الصائغ ولما ذكر أبو الحسن الحديث الكريم قال‏:‏ حمل الشافعي الافتراق في الحديث على الافتراق بالأبدان، وحمله مالك على الافتراق باللفظ اه‏.‏ ولما ذكر مالك الحديث في موطئه قال‏:‏ والعمل عندنا على خلافه أي عمل أهل المدينة على خلافه، وإلى رد مذهب الشافعي ومن وافقه أشار ‏(‏خ‏)‏ بقوله‏:‏ إنما الخيار بشرط كشهر في دار ولا تسكن وكجمعة في رقيق واستخدمه وكثلاثة في دابة الخ‏.‏ ‏(‏ولا يجوز فيه‏)‏ أي في بيع الخيار ‏(‏شرط النقد‏)‏ وظاهره أنه يفسد البيع باشتراطه لأن الأصل فيما ل يجوز الفساد وهو كذلك، وإن لم يحصل النقد بالفعل على المعتمد لتردده مع حصوله بشرط بين السلفية والثمينة ولكون الغالب مع شرطه فقط حصوله فنزل الغالب، وإن لم ينقد فيه حتى مضى زمن الخيار منزلة النقد بالفعل قاله ‏(‏ز‏)‏ وظاهره أيضاً أنه لا يصح البيع ولو حذف الشرط وهو كذلك بخلاف مسألة البيع بشرط السلف فإن البيع يصح إذا حذف الشرط كما قال ‏(‏خ‏)‏‏:‏ وصح أن حذف الخ‏.‏ والفرق أن الغرر في شرط النقد أقوى إذ لا يدري هل المقبوض كله ثمن أو سلف بخلاف البيع بشرط السلف فثمن السلعة مقبوض، والسلف وإن أثر في الثمن زيادة أو نقصاً فتأثيره موهوم غير محقق إذ يجوز أن يكون الثمن المجعول للسلعة هو ثمنها المعتاد لرغبة المشتري في السلعة يدفع ثمنها المعتاد ويزيده السلف، أو لرغبة البائع في معاملة المشتري لاتصافه ونحو ذلك يبيعها بالمعتاد ويزيده السلف فغرر البيع، والسلف أضعف من الأول كما هو ظاهر، وهذا مراده في ضيح بأن الفساد في مسألة البيع موهوم خارج عن الماهية أي موجب الفساد موهوم لا محقق بخلاف مسألة النقد بشرط، وأما قوله‏:‏ خارج عن الماهية فلعل الصواب حذفه إلا أن يقال إنه تأكيد لما قبله لأنه إذا لم يتحقق وجوده في الماهية فهو خارج عنها فتأمله والله أعلم‏.‏ ومفهوم شرط أنه إذا تطوع له بالنقد لم يمنع وهو كذلك، وفهم منه أنه يجوز النقد بعد العقد تطوعاً وهو كذلك، وفهم من تحديده أجل الخيار بما مر من الشهر والأيام أنه إذا زاد أجل الخيار على ذلك وعلى ما قرب منه يكون البيع فاسداً وهو كذلك ‏(‏خ‏)‏ وفسد بشرط مشاورة بعيد عن أمد الخيار، أو مدة زائدة أو مجهولة أو غيبة أحدهما على ما لا يعرف بعينه أو لبس ثوب ورد أجرته ويلزم بانقضائه ورد في كالغد وبشرط نقد الخ‏.‏ ثم إذا فسد بواحد من هذه الأمور فضمانه من بائعه إن هلك ولو بيد المشتري على الراجح، وقيل‏:‏ من المشتري إن قبضه انظر ‏(‏ح‏)‏ ولا بد، وقول ‏(‏خ‏)‏‏:‏ ويلزم بانقضائه الخ أي بانقضاء أمده المشترط وانقضاء ما ألحق به من اليوم واليومين‏.‏ وقوله‏:‏ وورد في كالغد إنما هو في الزمن الملحق فلا تدافع في كلامه‏.‏ قال في المدونة‏:‏ وإن كان أي الرد بعد غروب الشمس من آخر أيام الخيار أو كالغد أو قرب ذلك فذلك له‏.‏ قال أبو الحسن‏:‏ يعني بالقرب اليوم واليومين والبعد ثلاثة أيام اه‏.‏ وتقدم أن الخمسة أيام ملحقة بالشهر يعني في الدار يجوز أن يشترط في أجل خيارها شهر أو خمسة أيام مثلاً، والكلام هنا فيما قرب من زمن الانقضاء يعني أنه إذا رد بعد انقضاء الأجل المشترط بيوم أو يومين فله ذلك فلا معارضة والله أعلم‏.‏ وقد قال أبو الحسن عند قولها في الضمان إن قال للطالب فإن لم أوافك غداً فالذي تدعيه حق، فهذه مخاطرة ولا شيء عليه ما نصه‏.‏ وانظر ما قاله في بيع الخيار إذا كان الخيار للمبتاع فشرط عليه البائع أنه إن لم يأت بالثوب في آخر أيام الخيار لزمه البيع لم يجز هذا البيع‏.‏ أرأيت إن مرض أو حبسه سلطان اه‏.‏

والْبَيْعُ بِالثُّنْيَا لِفَسْخِ دَاعِ *** والخَرْجُ بِالضَّمَانِ لُلْمُبْتَاعِ

‏(‏والبيع بالثنيا‏)‏ أي بشرطها بأن يقول له في صلب العقد‏:‏ أبيعك هذه السلعة على شرط أني إن أتيتك بثمنها وقت كذا أو مهما أتيتك بثمنها فهي مردودة علي ‏(‏لفسخ داع‏)‏ لفساده واختلف في علته فعلله في بيوع الآجال منها بالبيع والسلف‏.‏ أبو الحسن‏:‏ معناه تارة يكون بيعاً وتارة يكون سلفاً أي لأنه خيار بشرط النقد وجعلا مدته أكثر من مدة الخيار إن حداه بأجل أو لمدة مجهولة إن لم يحداه، وعلله سحنون وابن الماجشون وغيرهما بأنه سلف جر نفعاً، وبه عللت المدونة أيضاً في نصها الأول عند قوله‏:‏ والثنيا الخ‏.‏ وعلى الأول فهو بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب كما مر ما لم يفت فيمضي بالقيمة وفوات الأصول بالهدم والبناء والغرس لا بحوالة الأسواق، وهل يفوت بطول الزمان كالعشرين سنة‏؟‏ قولان‏.‏ أرجحهما على ما قاله ‏(‏ت‏)‏ في تحفة الإخوان فواته بذلك، وقال في المهذب الرائق‏:‏ ولا يفيت الأصول حوالة الأسواق ولا طول الزمان وبه القضاء‏.‏ قال ابن أبي زمنين‏:‏ إلا ما كان مثل عشرين عاماً ونحوها اه‏.‏ وعلى الثاني فهو رهن يفسخ أبداً ولا يفوت بشيء بهدم ولا غيره ويرد المشتري فيه الغلة ولو طال الزمان، والناظم درج على الأول لأنه المشهور المعمول به في وقته ولذا قال‏:‏ ‏(‏ والخرج‏)‏ بسكون الراء لغة في الخراج اجتمعتا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أم تسألهم خرجاً فخراج ربك خير‏}‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 72‏)‏ ‏(‏بالضمان للمبتاع‏)‏ ظاهره كان لأجل أم لا‏.‏ أي الغلة فيه للمشتري لأنه بيع فاسد ينتقل ضمانه بالقبض، ومن عليه الضمان فله الغلة إلا ثمرة مأبورة يوم الشراء فإنها ليست بغلة لأن لها حصة من الثمن فيجب ردها معه إن كانت قائمة ورد مكيلتها إن علمت أو قيمتها إن جهلت أو جذت رطباً‏.‏

ولا كِرَاءَ فِيهِ هَبْهُ لأَجَلْ *** أوْ لاَ وَذَا الَّذِي به جَرَى العَمَلْ

‏(‏ولا كراء‏)‏ ولا غلة ‏(‏فيه‏)‏ أي في بيع الثنيا ويفوز المشتري بالثمرة بالزهو وهو ظهور الحلاوة وإن ظهر في نخلة واحدة من نخيل كثير على المعروف من المذهب في فوز المشتري بالغلة في البيع الفاسد بذلك، وأما إن طابت فهو أحرى ‏(‏هبه‏)‏ أي بيعها ‏(‏ لأجل أو لا وذا‏)‏ أي كونه لا كراء ولا غلة فيه للبائع على المشتري مطلقاً هو المشهور ‏(‏الذي به جرى العمل‏)‏ عند القضاة كم في مختصر المتيطية، وهو قول مالك وابن القاسم وعليه الأكثر، ومقابله أنه رهن لأنه سلف بمنفعة فالغلة للبائع لا للمبتاع قاله الشيخ أحمد زروق وهو المشهور‏.‏ قال عبد الباقي‏:‏ وهو ظاهر من جهة المعنى وهو توافقه مع المشتري على أن يرد له المبيع، وعلل أيضاً بأنها ثمن السلف وهو حرام محرم، وفي وثائق ابن مغيث عن القابسي أن حكمه قبل انقضاء أجل الثنيا حكم البيع الصحيح فالغلة فيه للبائع لأنه بمنزلة الرهن وهو بعد انقضاء الأجل بمنزلة البيوع الفاسدة اه‏.‏ أي‏:‏ فالغلة فيه للمشتري وليس في هذا البيت زيادة على ما أفاده الشطر الذي قبله إلا ما أفاده من الخلاف والتعميم في نفي الغلة نصاً وجريان العمل‏.‏

تنبيهات‏:‏

الأول‏:‏ يجب أن يقيد الخلاف المذكور بما إذا لم يجر العرف بالرهنية كما عندنا اليوم، ولذا يقع البيع بأقل من الثمن المعتاد بكثير ويسمونه بيعاً وإقالة فيبيع الرجل بالإقالة ما يساوي الألف بخمسمائة أو ما يساوي المائة بستين أو بثلاثين ونحو ذلك‏.‏ فلا يختلفون أنها رهن حيث اشترطت الإقالة في العقد إذ لم يسمح البائع بسلعته إلا على ذلك وتجد البائع إذا سئل عن سلعته أو أرضه يقول‏:‏ إنها مرهونة ويطلب زيادة الثمن فيها ويعرضها للبيع وهي بيد مشتريها، وإذا سئل المشتري عنها أيضاً قال‏:‏ إنها مرهونة عندي أو عندي فيها بيع وإقالة وأن البائع لم يكمل البيع فيها ونحو ذلك فالبيع والإقالة عندهم مرادف للرهن يعبر بأحدهما عن الآخر، فعرف الناس اليوم ومقصودهم في هذا البيع إنما هو الرهنية كما هو مشاهد بالعيان، وإذا كان العرف فيها الرهنية فيتفق على رد الغلة وعدم الفوات لأن الأحكام تدور مع الأعراف ومقاصد الناس ومن أدل دليل على الرهنية كونه بأقل من الثمن المعتاد بكثير إلى غير ذلك وقد قالوا كما للقرافي وغيره‏:‏ إن حمل الناس على أعرافهم ومقاصدهم واجب والحكم عليهم بخلاف ذلك من الزيغ والجور، ولهذا لما سئل الإمام قاضي القضاة سيدي عيسى السجستاني حسبما في نوازله عن بيع الثنيا في هذا الزمان هل تفوت بأنواع التفويت لأنها بيع فاسد، وكيف إذا جهل قصد المفوت‏؟‏ فقال‏:‏ الذي أفتي به في بياعات نواحي سوس وجبال درن أنها رهون لأنهم يعتقدون أنها على ملك بائعها ويطلبون فيها زيادة الأثمان والمبيع بيد مشتريه، وإذا كان هكذا فلا يفوت بشيء بل هي على ملك الأول إلا أن يرضى بإمضاء البيع فيها والسلام اه‏.‏ بلفظه‏.‏ ولا يخفى أنها في نواحي فاس وجبالها كذلك ولا يشك منصف فيه والله أعلم‏.‏ وفي نوازل الزياتي أيضاً ما نص الغرض منه‏:‏ سئل بعض الفقهاء عن الغلة في بيع الثنيا وكيف الحكم إن كان عرف البلد الرهنية إلا أنهما تحيلا بكتب البيع مخافة الغلة‏؟‏ فأجاب‏:‏ في المسألة قولان‏.‏ قيل‏:‏ الغلة للمشتري، وقيل‏:‏ للبائع‏.‏ وأما إن كان عرف البلد أنهم يعتقدون الثنيا في بيوتهم ويتحرفون بكتب البيع مخافة الغلة فإن الغلة لازمة للمشتري قولاً واحداً مع يمين الراهن أنه كان رهناً في نفس الأمر، وبهذا صدرت الفتوى من أهلها اه‏.‏ بلفظه، وفيه أيضاً عن سيدي علي بن هارون ما نصه‏:‏ اختلف في بيع الثنيا فقيل إنه من باب البيع الفاسد، وقيل إنه سلف جر منفعة وهو الذي يترجح في هذا البيع لأن مقصود الناس أن يأكلوا الغلة في مقابلة السلف الذي سموه ثمناً ثم قال‏:‏ فعلى قول ابن القاسم لا يرد الغلة وعلى قول غيره يردها، ويترجح هذا القول كما قدرناه ليعرف الناس والله أعلم‏.‏ وكتبه علي بن هارون اه‏.‏ باختصار‏.‏ وهذا مما لا يمكن أن يختلف فيه اثنان في هذه الأزمان لأن العرف كالشرط بلا نزاع، وانظر ما يأتي قريباً عند قوله‏:‏ فالقول قول مدع للطوع الخ‏.‏ فإن فيه تأييداً لما قلناه والله أعلم‏.‏

الثاني‏:‏ يفهم من قول الناظم وغيره‏:‏ والخرج بالضمان الخ‏.‏ أن الغلة إنما تكون للمشتري على القول بأنها بيع فاسد إذا قبض ذلك المبيع لأن الضمان إنما ينتقل للمشتري في الفاسد بالقبض كما في ‏(‏خ‏)‏ وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض ورد ولا غلة تصحبه الخ‏.‏ وأما إذا لم يقبض المشتري ذلك المبيع بل تركه بيد البائع بإجارة أو اشترى منه البستان ونحوه بالثنيا وتركه بيده بمساقاة ونحوها ليأتيه بغلته، فإنه لا غلة للمشتري قولاً واحداً لأنه لم ينتقل ضمانه إليه، وسواء كان الشراء بالثمن المعتاد أو بأقل بكثير أو قليل بدليل التعليل بل لو قبضه ثم رده إليه بعقد إجارة أو مساقاة أو نحوهما لم تكن له غلة لأن ما خرج من اليد عاد إليها لغو كما هو مقرر في بيوع الآجال قاله ‏(‏ح‏)‏‏.‏

الثالث‏:‏ على القول بأنه بيع فاسد إذا وقع الإمضاء فيه قبل فسخ العقد الفاسد فإنه لا يصح لأنه تتميم للفساد‏.‏ قال أبو الحسن‏:‏ المنصوص في كل موضع أن البيع الفاسد لا يصح إمضاء البيع فيه إلا بعد فسخ العقدة الفاسدة، وإذا لم يتعرض لفسخها فسخت الثانية وبقيت الأولى على فسادها اه‏.‏